واهب الولد

واهب الولد :
مالك الملك إذا وهب ؛ لا تسألن عن السبب .
وَهَب ؛ أي أعطى ، يقال الهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض ؛ أي يعطي بلا عوض ولا مقابل ولا غرض ودون استحقاق وإنما يعطيك لمصلحتك ، سبحانه وبحمده ؛ فالملك ﷻ لم يذكر شأن الولد في القرآن إلا بصفة الهبة :
” وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا… “. (الأنعام : 84)
وقال جل شأنه :
” …يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ “. (الشورى : 49)
قال يهب ولم يقل يُنعم أو يُعطى ؛ لأن الولد محض فضل من الله سبحانه وتعالى يعطيه لا لعوض ولا لغرض .
يقول الله العاطي الوهاب سبحانه وبحمده :
” لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاء يَهَبُ لِمَنْ يَشاء إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ “. (الشورى : 49-50)
قسم الله عز وجل الخلق من لدن آدم إلى زماننا هذا ، إلى أن تقوم الساعة ، على هذا التقدير المحدود بحكمته البالغة ومشيئته النافذة ؛ ليبقى النسل ، ويتمادى الخلق ، وينفذ الوعد ، ويحق الأمر ، وتعمر الدنيا ، وتأخذ الجنة وجهنم كل واحدة ما يملؤها ويبقى .
فالملك ﷻ يقسم النعمة كيف يشاء ، وكذلك في البلاء ؛ فالأمر أمره والحكم حكمه ، سبحانه رب الأرض والسماء .
يهب لعباده من الأولاد ما تقتضيه مشيئته ، فيخص بعضًا بالإناث وبعضًا بالذكور ، وغيرهما بالصنفين جميعًا ، ويعقم آخرين فلا يهب لهم ولدًا قط .
سبحانه لا يُسأل عما يفعل ، وهم يُسألون .
يقول عبد الرحمن بن محمد القماش في كتابه [ الحاوي ] :
{ إن قلت : لِمَ قدّم الإناث أوّلًا على الذكور مع تقدّمهم عليهنّ ، ثم رجع فقدّمهم ، ولم عرَّف الذكور بعد ما نَكَّر الإناث ؟
قلت : لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنده ، ثم عقبه بذكر ملكه ومشيئته وذكر قسمة الأولاد ، فقدم الإناث لأنّ سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه لا ما يشاؤه الإنسان ، فكان ذكر الإناث اللاتي من جملة ما لا يشاؤه الإنسان أهم ، والأهم واجب التقديم ، وليلى الجنس الذي كانت العرب تعدّه بلاء ذكر البلاء ، وأخَّر الذكور فلما أخرهم لذلك تدارك تأخيرهم ، وهم أحقاء بالتقديم بتعريفهم ؛ لأن التعريف تنويه وتشهير ، كأنه قال : ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم ، ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حقه من التقديم والتأخير ، وعرّف أن تقديمهنّ لم يكن لتقدّمهنّ ، ولكن لمقتض آخر فقال : ” ذُكْرانًا وَإِناثًا ” ، كما قال : ” إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى ” ، ” فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى “.
وقيل : نزلت في الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه ، حيث وهب لشعيب ولوط إناثًا ، ولإبراهيم ذكورًا ، ولمحمد ذكورًا وإناثا ، وجعل يحيى وعيسى عقيمين ” إِنَّهُ عَلِيمٌ ” بمصالح العباد ” قَدِيرٌ ” على تكوين ما يصلحهم }.
كما رأيتم قَدَّم واهب النعم سبحانه وبحمده الإناث على الذكور في أول الآية ، وعكس ذلك في آخرها ، وفيه وجه من الحسن – كما قال علماؤنا – ، كما هو الحال في الأساليب القرآنية ، فأما تقديم الذكران ، فهو الأصل ولا حاجة إلى تعليله ، وأما تقديم الإناث ، فهو مناسب في المحل الذي جعل فيه ؛ لأن الآية تدل على أن الله يفعل ما يشاء ولا دخل لإرادة العبد في فعله تعالى ، فهو يفعل ما يشاء حتى في الأسلوب وسياق الكلام .
قال الألوسي في روح المعاني :
{ وناسب هذا المساق أن يدل في البيان من أول الأمر على أنه تعالى فعل لمحض مشيئته سبحانه ، لا مدخل لمشيئة العبد فيه ، فلذا قدمت الإناث وأخرت الذكور ، كأنه قيل : يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء من الأناسي ما لا يهواه ، ويهب لمن يشاء منهم ما يهواه }.
ندعوكم لقراءة : أولادنا ثمار قلوبنا
- من يُمن المرأة :
قال واثلة بن الأسقع :
{ إن مِن يُمْن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر ، وذلك أن الله تعالى قال : ” يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ” فبدأ بالإناث}.
ربنا الله الخالق العظيم ، تبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره ؛ خالق كل شيء ، ومالك كل شيء ؛ خالق السموات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما ، وأنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، وأنه يخلق ما يشاء ، و ” يهب لمن يشاء إناثا ” ؛ أي : يرزقه البنات فقط .
قال البغوي رحمه الله : ومنهم لوط – عليه السلام – ” ويهب لمن يشاء الذكور ” ؛ أي : يرزقه البنين فقط .
قال البغوي : كإبراهيم الخليل – عليه السلام – لم يُولَد له أنثى .
- ماذا عن الخنثى ؟!
يقول الإمام الطبري في تفسيره :
{ قال القاضي أبو بكر بن العربي : وقد أنكر قوم من رؤوس العوام وجود الخنثى ؛ لأن الله تعالى قسم الخلق إلى ذكر وأنثى .
قلنا : هذا جهل باللغة ، وغباوة عن مقطع الفصاحة ، وقصور عن معرفة سعة القدرة .
أما قدرة الله سبحانه فإنه واسع عليم ، وأما ظاهر القرآن فلا ينفي وجود الخنثى ؛ لأن الله تعالى قال : ” لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ “.
فهذا عموم مدح فلا يجوز تخصيصه ؛ لأن القدرة تقتضيه .
وأما قوله : ” يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَأَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا ” فهذا إخبار عن الغالب في الموجودات ، وسكت عن ذكر النادر لدخوله تحت عموم الكلام الأوّل ، والوجود يشهد له والعِيان يكذب منكره }.
فالحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه .