
تفاوت بين الجزاءين :
هناك تفاوت كبير بين الدارين ، وكذلك بين الجزاءين ؛ فهذا الذي سار على القرآن والسُّنَّة ، يكون جزاؤه الجَنَّة ، وذاك البعيد جزاؤه النار ، وبئس القرار .
تفاوتَ / تفاوتَ في يتفاوت ، تفاوُتًا وتفاوَتًا وتفاوِتًا ، فهو مُتَفَاوِت .
تفاوت الشَّيئان تباعد ما بينهما ، اختلفا في التقدير وتباينا ؛ { مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ } : اختلال أو تناقص .
تفاوت الرَّجلان في الفضل : تباينا فيه ، هذان الأخوان يتفاوتان في مستوى ذكائهما .
يقول الله العزيز الغفار :
« مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ». (محمد : 15)
هذا رسولنا الكريم محمد ﷺ يقول : ” أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة ، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ، ولا يمتخطون ، أمشاطهم الذهب ، ورشحهم المسك ، ومجامرهم الألوة -عود الطيب- أزواجهم الحور العين ، على خَلْق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم ، ستون ذراعًا في السماء “. (متفق عليه)
تعالوا لنرى ماذا أعدَّ الله جل في علاه ، لعباده الصالحين في الجنة ؟
فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :
” قال الله عز وجل : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر “. (متفق عليه)
مصداق ذلك في كتاب الله :
« فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ». (السجدة : 17)
- جنة الخلد خير :
قال حكيم :
أصعب الحرام ” أوله ” ، ثم يسهل ، ثم يُستسَاغ ، ثم يُؤلَف ، ثم يَحلو ، ثم يطبع على القلب ، ثم يَبحث القلبُ عن حرامٍ آخر .
فإذا دعتك نفسك إلى معصية ، فحاورها حوارًا لطيفًا بهذه الآية : « قُلْ أَذَٰلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ».
- لا يستويان :
قال الله تبارك وتعالى :
« لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ ». (الحشر : 20)
يقول العالم العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله :
{ فهل يستوي من حافظ على تقوى الله ونظر لما قدم لغده ، فاستحق جنات النعيم ، والعيش السليم -مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين- ، ومن غفل عن ذكر الله ، ونسي حقوقه ، فشقي في الدنيا ، واستحق العذاب في الآخرة ، فالأولون هم الفائزون ، والآخرون هم الخاسرون }.
- بون شاسع وتفاوت بين الجزاءين :
يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي رحمه الله ، في الوسيط :
{ لا يستوي في حكم الله -تبارك وتعالى- وفي جزائه أَصْحابُ النَّارِ الذين استحقوا الخلود فيها وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ الذين ظفروا برضوانه -تبارك وتعالى- بسبب إيمانهم وعملهم الصالح ..
أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ بالسعادة التي ليس بعدها سعادة ، وبالنعيم الذي لا يقاربه نعيم .
وقال -سبحانه- : لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ …
بدون بيان مالا يستويان فيه ، للإشعار بالبون الشاسع بين الفريقين ، في سلوكهم ، وفي أعمالهم ، وفي تفكيرهم ، وفي نظرتهم إلى الحياة ، وفي العاقبة التي ينتهى إليها كل فريق }.
قال صاحب الكشاف : { هذا تنبيه للناس ، وإيذان لهم بأنهم لفرط غفلتهم ، وقلة فكرهم في العاقبة ، وتهالكهم على إيثار العاجلة ، واتباع الشهوات : كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار ، والبون العظيم بين أصحابهما ، وأن الفوز مع أصحاب الجنة ، فمن حقهم أن يعلموا ذلك وينبهوا عليه ، كما تقول لمن يعق أباه ، هو أبوك ، تجعله بمنزلة من لا يعرفه ، فتنبهه بذلك على حق الأبوة ، الذي يقتضى البر والتعطف }.
ومن الآيات الكثيرة التي تشبه هذه الآية في معناها ، قوله تبارك وتعالى :
« وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ ۚ قَلِيلًا مَّا تَتَذَكَّرُونَ ». (غافر : 58)