أجيبوا داعي الله

أجيبوا داعي الله :

خلق الله سبحانه وتعالى ، الإنس والجن من أجل عبادته جل شأنه ؛ قال عز من قائل :
« وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ». (الذاريات : 56)

إنما خلقهم الله جل في علاه ليأمرهم بعبادته ، لا لاحتياجه إليهم .

قال الله تعالى في كتابه العزيز :
« وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ». (الأحقاف : 29-32)

صرف الله تبارك وتعالى إلى نبيه ﷺ نفرًا من الجن ؛ جن نصيبين أو نينوى .

فحضروا سماع القرآن الكريم الذي كان يتلوه ، فقال بعضهم لبعض : أصغوا لاستماع القرآن .

فلما فرغ الحبيب المصطفى ﷺ من قراءته ، رجعوا إلى قومهم مخوفين لهم من العذاب ، وأبلغوهم أنهم سمعوا قرآنًا عجبًا ، يهدي إلى الرشد ، وهذا الكتاب مصدق لما بين يديه : أي من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها .

وهو كتاب محكم يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم .

قالوا لهم أجيبوا داعي الله ؛ وهو نبي الإسلام محمد بن عبدالله ﷺ وآمنوا به ؛ حتى يغفر الله تعالى لكم من ذنوبكم ، ويجركم من عذاب أليم : أي ويحفظكم من عذاب يوم القيامة .

ومن لا يجب داعي الله تبارك وتعالى ؛ فليس بمعجز في الأرض : أي فليس بمعجز الله هربًا منه فيفوته .

والذين لم يجيبوا داعي الله وهو محمد صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان : أي في ضلال عن طريق الإسعاد والكمال ظاهر بيِّن .

وردت روايات مختلفة في سبب نزول هذه الآيات ، ومن جملتها : أنّ رسول الله ﷺ خرج من مكّة إلى سوق عكاظ في الطائف – وكان معه زيد بن حارثة – من أجل أن يدعو الناس إلى الإسلام ، إلاّ أنّ أحدًا لم يجبه ، فاضطر إلى الرجوع إلى مكّة ، وفي طريق عودته وصل إلى موضع يقال له : وادي الجن ، فبدأ بتلاوة القرآن في جوف الليل ، وكانت طائفة من الجن يمرون من هناك ، فلما سمعوا قراءة النّبي ﷺ للقرآن أصغوا إليه وقال بعضهم لبعض : اسكتوا وأنصتوا ، فلما أتمّ رسول الله ﷺ تلاوته آمنوا به ، وأتوا قومهم كرسل يدعونهم إلى الإسلام ، فآمن لهم جماعة ، وأتوا جميعًا إلى النّبي ﷺ فعلّمهم رسول الله ﷺ الإسلام ، فنزلت هذه الآيات وآيات سورة الجن .

 ونقل جماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما سبب نزول آخر يقرب من سبب النّزول السابق ، باختلاف : إنّ النّبي ﷺ كان مشتغلًا بصلاة الصبح وكان يقرأ القرآن فيها ، وكان جماعة من الجن في حالة بحث وتحقيق ، إذ كان انقطاع أخبار السماء عنهم قد أقلقهم ، فسمعوا صوت تلاوة النّبي ﷺ فقالوا : هذا سبب انقطاع أخبار السماء عنّا ، فرجعوا إلى قومهم ودعوهم إلى الإسلام ، وقالوا : يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به .

وقال الله تبارك وتعالى في سورة الجن :
« قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ». (الجن : 1-2)

يقول ابن كثير في التفسير :
يقول تعالى آمرًا رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن يخبر قومه : أنّ الجنّ استمعوا القرآن فآمنوا به وصدّقوه وانقادوا له ، فقال تعالى : { قل أوحي إليّ أنّه استمع نفرٌ من الجنّ فقالوا إنّا سمعنا قرآنًا عجبًا }.
{ يهدي إلى الرّشد } أي : إلى السّداد والنّجاح ، { فآمنّا به ولن نشرك بربّنا أحدًا } وهذا المقام شبيهٌ بقوله تعالى : { وإذ صرفنا إليك نفرًا من الجنّ يستمعون القرآن } [الأحقاف : 29].

ندعوكم لقراءة : الإسراء والمعراج

تكررت هذه الآية الكريمة في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة ، وخاطب الله تعالى بها الثقلين ؛ الإنس والجن ؛ موضحًا لهم :
بأي الآلاء – يا معشر الثقلين ، من الإنس والجن – تكذبان ؟

النعم ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها ، لا تستطيعون إنكارها ولا جحودها .

قالت الجن المؤمنون : ” اللهم ، ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب ، فلك الحمد “.

يقول الله سبحانه وتعالى :
« يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ». (الأنعام : 130)

هناك جنٌّ كافر وإنسٌ كافر لم يجيبوا داعي الله تعالى ، ولم يؤمنوا بالنبي محمد ﷺ ؛ كما ذكر ربنا عز وجل في الآية الكريمة ؛ وما جاء بها يقرع الله بها الكافرين من الثقلين ؛ الجن والإنس يوم القيامة ، حيث يسألهم – وهو أعلم – : هل بلغتهم الرسل رسالاته ؟
وهذا استفهام تقرير : ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم ) ، والمعلوم أن الرسل من الإنس فقط ، وليس من الجن رسل ؛ كما قال علماؤنا .
وقد نص على ذلك مجاهد ، وابن جريج ، وغير واحد من الأئمة ، من السلف والخلف .
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : الرسل من بني آدم ، ومن الجن نُذُر .

لقد أقروا أن الرسل قد بلغوهم رسالات الله ، وأنذروهم لقاءه سبحانه وتعالى ، وأن هذا اليوم كائن لا محالة .

ولقد غرتهم الحياة الدنيا ؛ ففرطوا في حياتهم الدنيا ، وهلكوا بتكذيبهم الرسل ، ومخالفتهم للمعجزات ، لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها ، وشهدوا على أنفسهم يوم القيامة ؛ يوم الحسرة والندامة .

شهدوا أنهم كانوا كافرين في الدنيا ، بما جاءتهم به الرسل ، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .

Exit mobile version