
سورة الفيل :
سورة مكية ، وهي من المفصل ، وعدد آياتها خمس آيات ، وترتيبها في المصحف 105 ، وتقع في ( جزء عمّ ) ، الذي يحرص المبتدئون على حفظه في بداية اهتمامهم بالقرآن الكريم .
يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز :
” أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ * أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖ * وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ * تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ * فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۭ “. (الفيل : 1-5)
- المفردات :
الكيد : إرادة وقوع ضرر بغيرك على وجه الخفاء .
التضليل : التضييع والإبطال ؛ تقول ضلّلت كيد فلان إذا جعلته باطلًا ضائعًا .
الطير : كل ما صار في الهواء ، صغيرًا كان أو كبيرًا .
الأبابيل : الجماعات ، لا واحد له من لفظه .
السجيل : الطين الذي تحجر .
العصف : ورق الزرع الذي يبقى بعد الحصاد ، وتعصفه الرياح : فتأكله الماشية .
مأكول : أي أكلت الدواب بعضه وتناثر بعضه الآخر من بين أسنانها .
بدأت السورة الكريمة بأسلوب استفهام ” أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ “.
نزلت سورة الفيل بعد سورة ” الكافرون “.
وهي السورة التاسعة عشرة حسب النزول .
نزلت السورة على نبينا الكريم ﷺ ؛ لتذكير قريش بما فعله الله جلّ وعلا بأصحاب الفيل الذين حاولوا هدم الكعبة ؛ وهم أبرهة الحبشي وجيشه .
وفيها تذكير بقدرة الله العزيز الحكيم على العتاة الطغاة .
- يقول الإمام الحافظ ابن كثير رحمه الله :
هَذِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي امْتَنَّ اللَّهُ بِهَا عَلَى قُرَيْشٍ فِيمَا صَرَفَ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْفِيلِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى هَدْمِ الْكَعْبَةِ ، وَمَحْوِ أَثَرِهَا مِنَ الْوُجُودِ ، فَأَبَادَهُمُ اللَّهُ ، وَأَرْغَمَ أنوفهم ، وَخَيَّبَ سَعْيَهُمْ ، وَأَضَلَّ عَمَلَهُمْ ، وَرَدَّهُمْ بِشَرِّ خَيْبَةٍ ، وَكَانُوا قَوْمًا نَصَارَى ، وَكَانَ دِينُهُمْ إِذْ ذَاكَ أَقْرَبَ حَالًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ ، وَلَكِنْ كَانَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِرْهَاصِ وَالتَّوْطِئَةِ لِمَبْعَثِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وُلِدَ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ ، وَلِسَانُ حَالِ الْقَدَرِ يَقُولُ : لَمْ نَنْصُرْكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ عَلَى الْحَبَشَةِ لخيرتكم عَلَيْهِمْ ، وَلَكِنْ صِيَانَةً لِلْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي سَنُشَرِّفُهُ وَنُعَظِّمُهُ وَنُوَقِّرُهُ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ مُحَمَّدٍ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ .
- تفسير السعدي :
” ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل “
ألم تعلم -يا محمد- كيف فعل ربك بأصحاب الفيل : أبرهة الحبشي وجيشه الذين أرادوا تدمير الكعبة المباركة ؟
” ألم يجعل كيدهم في تضليل “
ألم يجعل ما دبروه من شر في إبطال وتضييع ؟
” وأرسل عليهم طيرًا أبابيل “
وبعث عليهم طيرًا في جماعات متتابعة .
” ترميهم بحجارة من سجيل “
تقذفهم بحجارة من طين متحجر .
” فجعلهم كعصف مأكول “
فجعلهم به محطمين كأوراق الزرع اليابسة التي أكلتها البهائم ثم رمت بها .
- قدرة الملك ﷻ :
كان في هذهِ القِصَّةِ أثرٌ بالغ في نفوسِ الصّحابةِ رضوان الله عليهم ؛ فقد بيَّنَ الله جلت قدرته ، أنَّه مهما بدا العدوُّ لهم ضخمًا وقويًّا ، فإنَّ الله تبارك وتعالى قادرٌ على أن يُنجِّيهم منه ويحوّلُ الدائرةَ لهم لا عليهم .
وهذا الأمر قائمٌ في كل زمان ومكان ؛ لأن الله القوي المتين قادرٌ على نصرة المستضعفين في الأرض مهما كانت قوة العدو الظالم المتكبر .
فالله القوي القادر المتين ، لا يُعجزُه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ، فالكعبةُ لم تُمسّ بسوءٍ ؛ فهي أوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للنَّاسِ .
- من فوائد السورة الكريمة :
أولًا : أن هذه نهاية كل طاغية يحارب الله ويستحل حرماته .
قَالَ تَعَالَى : ” وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم “. (الحج : 25)
وفي الصحيحين مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رضي اللهُ عنه : أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ : ” إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ، قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ : « وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد ». (هود : 102)
ثانيًا : قدرة الله العظيمة ، فهو القادر على كل شيء .
قَالَ تَعَالَى : ” إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون “. (يس : 82)
وقَالَ تَعَالَى : ” وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَر “. (القمر : 50)
وقَالَ تَعَالَى : ” وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا “. (فاطر : 44)
- عبرة لمن يعتبر :
لا يُغَيِّر الله تبارك وتعالى سنته في خلقه ؛ ولذلك حض الظالمين المكذبين على الاعتبار بأحوال المهلكين من قبلهم ، والذين يرون بأعينهم آثارهم ، فقال تبارك وتعالى : ”أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً“ ؛ أي أعمى هؤلاء الماكرون عن التدبر ، ولم يسيروا في الأرض ، فيروا بأعينهم كيف كانت عاقبة المكذبين من قبلهم ، لقد دمرناهم تدميرا ، وكانوا من القوة بمكان ، ” وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ “ ؛ أي وما كان من شأن الله تبارك وتعالى أن يعجزه شيء من الأشياء ، سواء أكان في السموات أم في الأرض .
بل كل شيء تحت أمره وتصرفه .
إِنَّهُ سبحانه كانَ عَلِيمًا بكل شيء قَدِيرًا على كل شيء .
فالحذار .. الحذار ، والبدار .. البدار ..
فلينظر كل متكبر متجبر كيف كان عاقبة الكافرين المعاندين الظالمين ؛ كعاد وثمود وأمثالهم ، وما حلَّ بهم من الدمار ، وبديارهم من الخراب ، حين كذبوا الرسل ، وعاثوا في الأرض ظلمًا وبطشًا وطغيانًا .
وما كان الله تعالى ليعجزه ويفوته من شيء في السماوات ولا في الأرض ، إنه كان عليمًا بأفعالهم ، قديرًا على إهلاكهم .
والله المنتقم الجبار قادرٌ على إهلاك الطغاة الظالمين في زماننا هذا مهما بلغت قدرتهم وعدتهم وعتادهم .
فالله أكبر من كل ظالمٍ متكبر ، قادرٌ على إهلاكه في لمح البصر .
عن أَبي موسى رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ :
” إِنَّ اللَّه لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : « وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ». (هود : 102)
( مُتَّفَقٌ عَلَيهِ ).