
كيس مثقوب :
هناك بعض البشر أتعبوا أنفسهم في عمل يرجون به فضلًا ونوالا ، فنالوا هلاكًا وبوارا ، كمن يشتري سلعة يرجو عليها ربحًا فخسر وخاب سعيه .
فهم يعملون أعمالًا بعتقدون أنها شيء ، وعندما تُعرَض على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا ، إذا إنها لا شيء بالكلية.
يقول الله الملك الحق :
« وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ». (الفرقان : 23)
- وصلتني هذه الرسالة من صديق ، يقول فيها :
قال أحد الخطباء من فوق المنبر :
الأسعار عالية ،
والنساء عارية ،
والمساجد خالية ،
وأحكام الله لاغية !!
السارق مدلل ،
والمجاهد بقيوده مكبل .
الزنا حلال ،
والزواج محال ،
والنساء قوامُون على الرجال .
أرض المسلمين محتلة ، والفقراء تحت المطر بلا مظلة ، ولم يبق من علامات الساعة الكبرى إلا قلة .
فالتوبة .. التوبة .
- احذروا الكيس المثقوب :
تتوضأ أحسن وضوء ، ولكن تسرف في الماء ؛ ( كيسٌ مثقْوب ).
تتصدق عَلى الفقراء بمبلغ ثم .. تذلهم وتضايقهم ؛ ( كيس مثقْوب ).
تقوم الليل وتصوم النهار وتطيع ربك ، ولكنك قاطعٌ لرحمك ؛ ( كيس مثقْوب ).
تصوم وتصبر عَلى الجوع والعطش ، ولكن تسب وتشتم وتلعن ؛ ( كيس مثقْوب ).
تلبسين الطرحة والعباية فوق الملابس ، لكن العطر فواح ؛ ( كيس مثقْوب ).
تكرم ضيفك وتحسن إليه ، ولكنك بعد خروجه تغتابه وتخرج مساوئه ؛ ( كيس مثقْوب ).
أخيرًا …
لا تجمعوا حسناتكم في كيس مثقوب ، تجمعونها بصعوبة من جهة ثم تسقط بسهولة من جهة أخرى !!
إنه العجب العجيب العجاب .
- يوم القيامة :
حين يحاسب الله ﷻ العبادَ على ما عملوه من خير وشر ، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المفرطين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء ؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي ، إما الإخلاص فيها ، وإما المتابعة لشرع الله .
فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشريعة المرضية ، فهو باطل .
فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين ، وقد تجمعهما معًا ، فتكون أبعد من القبول حينئذ ؛ ولهذا قال تعالى : ” وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا “.
وقوله : ( فجعلناه هباءً منثورا ) ،
قال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ، رضي الله عنه ، في قوله : ( فجعلناه هباءً منثورا ) ، قال : شعاع الشمس إذا دخل في الكوة .
وكذا قال الحسن البصري : هو الشعاع في كوة أحدهم ، ولو ذهب يقبض عليه .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( هباءً منثورا ) قال : هو الماء المهراق .
وقال أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي : ( هباءً منثورا ) قال : الهباء رهج الدواب .
وقال قتادة في قوله : ( هباءً منثورا ) قال : أما رأيت يبيس الشجر إذا ذرته الريح ؟ فهو ذلك الورق .
وقالوا : إن الهباء الرماد .
- يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى :
وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق ، الذي لا يقدر منه صاحبه على شيء بالكلية ، كما قال الله تعالى :
” مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ۖ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَىٰ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ “. (إبراهيم : 18)
وقال تعالى : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ “. (البقرة : 264)
وقال تعالى : ” وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ “. (النور : 39)
- الأخسرون أعمالًا :
يقول الإمام الطبري رحمه الله :
إن الله عزّ وجلّ عنى بقوله ( هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا ) كلّ عامل عملًا يحسبه فيه مصيبًا ، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مرض ، وهو بفعله ذلك لله مسخط ، وعن طريق أهل الإيمان به جائر ؛ كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم ، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله كفرة ، من أهل أيّ دين كانوا .
وقوله : ( الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ؛ هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة ، بل كان على جور وضلالة ، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا ، وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون ، وفيما ندب عباده إليه مجتهدون ، وهذا من أدل الدلائل على خطأ قول من زعم أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يقصد إلى الكفر بعد العلم بوحدانيته ، وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء الذين وصف صفتهم في هذه الآية ، أن سعيهم الذي سعوا في الدنيا ذهب ضلالًا وقد كانوا يحسبون أنهم محسنون في صنعهم ذلك ، وأخبر عنهم أنهم هم الذين كفروا بآيات ربهم .
ولو كان القول كما قال الذين زعموا أنه لا يكفر بالله أحد إلا من حيث يعلم ، لوجب أن يكون هؤلاء القوم في عملهم الذي أخبر الله عنهم أنهم كانوا يحسبون فيه أنهم يحسنون صنعه ، كانوا مثابين مأجورين عليها ، ولكن القول بخلاف ما قالوا ، فأخبر جل ثناؤه عنهم أنهم بالله كفرة ، وأن أعمالهم حابطة .
وعنى بقوله : ( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) عملًا والصنع والصنعة والصنيع واحد ، يقال : فرس صنيع بمعنى مصنوع .