ربنا الله ﷻ

نموذج من رحمته

نموذج من رحمته :

قال رسول الله ﷺ : 
” جعل الله الرحمة مائة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين ، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا ، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق ، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه “.
( متفق عليه ).

الرحمة صفة ثابتة لله عز وجل ؛ فهو الرحمن الرحيم ، الذي وسعت رحمته كل شيء .

والمخلوق أيضًا يوصف بالرحمة ، ولكن للمخلوق ما يليق به من هذه الصفة ، وللخالق العظيم ما يليق به منها ؛ فرحمة المخلوقين لا يمكن أن تماثل رحمة الخالق سبحانه وتعالى ؛ فصفاته حل في علاه ليست كصفات المخلوق .

وإذا كان التفاوت واقعًا بين المخلوقين بصورة كبيرة جدًّا ، فكيف بالتفاوت الذي يكون بين الخالق والمخلوق ؟

وهذا مثال على رحمة الله ؛ وهو غيض من فيض :

من رحمة الله بنا أن خلق لنا الليل والنهار ، فخالف بينهما ، فجعل هذا الليل ظلامًا ؛ لنستقر فيه وترتاح أبداننا ، وجعل النهار ضياءً ؛ لنطلب فيه معايشنا .

ومن باب اللف والنشر ؛ جعل الملك جل في عليائه ، الليل والنهار ؛ لنسكن فيه ؛ أي : في الليل ، ولنبتغي من فضله ؛ أي : في النهار ، وذلك بالأسفار والترحال ، والحركات والأشغال .

فيجب علينا شكر المنعم ﷻ ؛ وذلك بأنواع العبادات في الليل والنهار ، ومن فاته شيء بالليل استدركه بالنهار ، أو بالنهار استدركه بالليل ، كما قال تعالى : « وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ». (الفرقان : 62)

  • مفاتيح الخير بيده :

سبحانه وبحمده ، مفاتيح الخير بيده وحده ، يقول جل شأنه :
« مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ». (فاطر : 2)

يقول الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله :
يقول تعالى ذكره : مفاتيح الخير ومغالقه كلها بيده ؛ فما يفتح الله للناس من خير فلا مُغلق له ، ولا ممسك عنهم ؛ لأن ذلك أمره لا يستطيع أمره أحد ، وكذلك ما يغلق من خير عنهم فلا يبسطه عليهم ولا يفتحه لهم ، فلا فاتح له سواه ؛ لأن الأمور كلها إليه وله .

ندعوكم لقراءة : سَحَّاء الليل والنهار

  • ليلٌ ونهار :

سَخَّرَ الخلاق العظيم سبحانه وبحمده لنا الليل والنهار ، اللذين لا قوام للحياة بدونهما .

يقول تبارك وتعالى :
« قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلَا تُبْصِرُونَ * وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ». (القصص : 71-73)

يقول الإمام البغوي رحمه الله :
قوله – عز وجل – : ( قل أرأيتم ) أخبروني يا أهل مكة ( إن جعل الله عليكم الليل سرمدًا ) دائمًا ، ( إلى يوم القيامة ) لا نهار معه ، ( من إله غير الله يأتيكم بضياء ) بنهار تطلبون فيه المعيشة ، ( أفلا تسمعون ) سماع فهم وقبول .

  • السرمد :

يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي في [ الوسيط ] :
السرمد : الدائم الذي لا ينقطع ، والمراد به هنا : دوام الزمان من ليل أو نهار .
والمعنى : قل – أيها الرسول الكريم – للناس ليعتبروا ويتعظوا وينتبهوا إلى مظاهر قدرتنا ورحمتنا ، أخبرونى ماذا كان يحصل لكم إن جعل الله – تبارك وتعالى – عليكم الزمان ليلًا دائمًا إلى يوم القيامة ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ – تبارك وتعالى – يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ تبصرون عن طريقه عجائب هذا الكون ، وتقضون فيه حوائجكم أَفَلا تَسْمَعُونَ ما أرشدناكم إليه سماع تدبر وتفهم واعتبار يهديكم إلى طاعة الله تبارك وتعالى ، وشكره على نعمه .

ثم أخبر صاحب الرحمة الواسعة ، الذي وسعت رحمته كل شيء ، أنه لو جعل النهار سرمدًا دائمًا مستمرًا إلى يوم القيامة ، لأضر ذلك بهم ، ولتعبت الأبدان وكلت من كثرة الحركات والأشغال ؛ ولهذا قال : ( من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه ) أي : تستريحون من حركاتكم وأشغالكم .. (أفلا تبصرون) مواقع العبر ، ومواضع الآيات ؛ فتستنير بصائركم ، وتسلكوا الطريق المستقيم .

قال ربنا عز وجل في الليل : أَفَلَا تَسْمَعُونَ ، وفي النهار : أَفَلَا تُبْصِرُونَ ؛ لأن سلطان السمع أبلغ في الليل من سلطان البصر ، وعكسه النهار .

سبحان من هذا كلامه .

سبحانه وتعالى .

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى