
حديث الرايات :
الرايات ؛ من العلامات ، المعبرة عن النيات ، التي تتبعها خطوات ، توصل أصحابها إلى الغايات ؛ وذلك بنيل الحسنات ، في مرضاة رب الأرض والسماوات ،
أو باقتراف السيئات ، تحت راية الشيطان ، تتوالى عليه النكبات ، والحوادث المؤذيات .
قال رسول الله ﷺ :
” ما من خارجٍ يَخرجُ – يعني من بيتِه – إِلا بِبَابِهِ رايتانِ :
رايَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ ،
ورايَةٌ بِيَدِ شَيْطانٍ ،
فإن خَرَج لِما يُحِبُّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، اتَّبَعَهُ المَلَكُ برايتِه ، فلم يَزَلْ تحت رايةِ المَلَكِ حتَّى يَرْجِعَ إلى بيتِه ، وإنْ خَرَج لما يُسْخِطُ اللهَ ، اتَّبَعَهُ الشَّيطانُ برايتِه ، فلَم يَزَلْ تَحْتَ رايَةِ الشَّيطانِ حَتَّى يَرْجِعَ إلى بيتِه “.
( رواه أحمد ، وصححه أحمد شاكر ).
يقول الرب الجليل في محكم التنزيل :
« لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ». (الرعد : 11)
- ويقول ابن كثير في التفسير :
وقوله : ( له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله ) ؛ أي : للعبد ملائكة يتعاقبون عليه ، حرس بالليل وحرس بالنهار ، يحفظونه من الأسواء والحادثات ، كما يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر ، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال ، صاحب اليمين يكتب الحسنات ، وصاحب الشمال يكتب السيئات ، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه ، واحدًا من ورائه وآخر من قدامه ، فهو بين أربعة أملاك بالنهار ، وأربعة آخرين بالليل بدلا حافظان وكاتبان .
- وفي حاشية السندي على مسند الإمام أحمد ، يقول :
قوله : ( إلا بيده رايتان ) ؛ أي : إلا يتبعه رايتان ، كأنه يملكهما فهما بيده ، كما يُقال لما يملكه أنه بيده ؛ لأنهما في تصرفه ، يختار منهما لنفسه ما شاء .
والمراد : أنه إن خرج في طاعة الله ، فالملك يُعينه حتى كأنه ماشٍ في ظل رايته ، وإن خرج في معصيته ، فالشيطان يُعينه ، والله تعالى أعلم .
- شرح وبيان :
خرج لما يحب الله :
الخروج في مرضاة الله عز وجل ؛ مثل : الخروج إلى الصلاة ، أو إلى الحج ، أو إلى الجهاد ، أو إلى إصلاح ذات البين ، أو زيارة لمريض ، أو صلة رحم ، أو إلى عمله في الحلال الطيب ، أو نحو ذلك .
لم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته :
وهذا كناية عن رعاية الله سبحانه وتعالى له وحفظه من الشيطان ، ومن كلِّ ما يكره حتى يرجع إلى بيته .
وإن خرج لما يُسخط الله :
سخط الله يكون في أمور متعددة ؛ مثل : السرقة ، أو القتل ، أو الزنا ، أو تناول المحرمات ، أو الذهاب إلى عمل محرم شرعًا ، أو في مشاجرة ، ونحو ذلك من المحرمات .
فلم يزل تحت راية الشيطان حتى يرجع إلى بيته :
كناية عن تسلُّط الشيطان عليه ، وارتكابه ما يغضب الله ، نعوذ بالله من ذلك .
ويقول الشيخ الحجوري : فالذي يخرج في معصية الله ﷻ ليس بمستقيم ، يخرج في معصية الله ، فيتبعه الشيطان برايته ، ويتولاه الشيطان برايته ، فيصير قرينه ، والذي يخرج في طاعة الله يخرج على استقامة ، فيتولاه الملك ؛ قال تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴾ [سورة فصلت : 30-31].
ويقول بعض علمائنا :
الخارج في طاعة الله ، وإلى ما يُحبه الله ويرضاه ، يُسدَّد ويُوفَّق ويُهدى رُشَده ، بخلاف الخارج في معصية الرحمن ، وتحت راية شيطان ، كم وكم قد تتوالى عليه من نكبات ، وحوادث وخلافات ومُؤذيات ، ومصائد الشيطان ومكره ، وخداعه وتسلُّطاته ووسَاوِسِه كثيرة ، نسأل من الله الكريم السداد وصرف الغواية .
- تفسير السعدي للآية :
ويقول الإمام السعدي رحمه الله في تفسير الآية الحادية عشرة من سورة الرعد :
{ لَه } أي : للإنسان { مُعَقِّبَاتٌ } من الملائكة يتعاقبون في الليل والنهار .
{ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ } أي : يحفظون بدنه وروحه من كل من يريده بسوء ، ويحفظون عليه أعماله ، وهم ملازمون له دائما ، فكما أن علم الله محيط به ، فالله قد أرسل هؤلاء الحفظة على العباد ، بحيث لا تخفى أحوالهم ولا أعمالهم ، ولا ينسى منها شيء ، { إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } من النعمة والإحسان ورغد العيش { حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر ومن الطاعة إلى المعصية ، أو من شكر نعم الله إلى البطر بها فيسلبهم الله عند ذلك إياها .
وكذلك إذا غير العباد ما بأنفسهم من المعصية ، فانتقلوا إلى طاعة الله ، غير الله عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير والسرور والغبطة والرحمة ، { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا } أي : عذابا وشدة وأمرا يكرهونه ، فإن إرادته لا بد أن تنفذ فيهم .
فـإنه { لَا مَرَدَّ لَهُ } ولا أحد يمنعهم منه ، { وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ } يتولى أمورهم فيجلب لهم المحبوب ، ويدفع عنهم المكروه ، فليحذروا من الإقامة على ما يكره الله خشية أن يحل بهم من العقاب ما لا يرد عن القوم المجرمين .