حاتم الأصم

حاتم الأصم :

لقمان هذه الأمة حاتم الأصم ، الزاهد القدوة الرباني ، اسمه حاتم بن عنوان بن يوسف البلخي الواعظ الناطق بالحكمة .

له كلامٌ جليلٌ في الزهد والمواعظ والحِكَم ، يُكتَب بماء الذهب .

وهو من تلاميذ الشيخ شقيق البلخي رحمهما الله تعالى ، طلب العلم على يديه ما يزيد على ثلاثين عامًا ، فحقق التقوى والتوكل في حياته خير تحقيق ؛ فهو المتوكل على سيده ومولاه ، جل في علاه .

قيل له : على ما بنيت أمرك في التوكل ؟
قال : { على خصال أربع : علمت أن رزقي لا يأكله غيري ؛ فاطمأنت به نفسي .
وعلمت أن عملي لا يعمله غيري ، فأنا مشغول به .
وعلمت أن الموت يأتي بغتة ، فأنا أبادره .
وعلمت أني لا أخلو من عين الله ، فأنا مستحي منه }.

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال :
” لو أنكم توكلون على الله حق توكله ، لرزقكم كما يرزق الطير ، تغدو خماصًا ، وتروح بطانًا “.
( رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان ، والحاكم ، وقال الترمذي : حسن صحيح ).

ندعوكم لقراءة : الثقة بالله ﷻ

{ يُحكَى أن حاتمًا الأصم كان رجلًا كثير العيال ، وكان له أولاد ذكور وإناث ، ولم يكن يملك حبة واحدة ، وكان قدمه التوكل ، فجلس ذات ليلة مع أصحابه يتحدث معهم ، فتعرضوا لذكر الحج ، فداخل الشوق قلبه ، ثم دخل على أولاده ، فجلس معهم يحدثهم ، ثم قال لهم : لو أذنتم لأبيكم أن يذهب إلى بيت ربه في هذا العام حاجًّا ، ويدعو لكم ، ماذا عليكم لو فعلتم ؟
فقالت زوجته ، وأولاده : أنت على هذه الحالة لا تملك شيئًا ، ونحن على ما ترى من الفاقة ، فكيف تريد ذلك ، ونحن بهذه الحالة ؟!

وكان له ابنة صغيرة فقالت : ماذا عليكم لو أذنتم له ، ولا يهمكم ذلك ، دعوه يذهب حيث شاء ، فإنه مناول للرزق ، وليس برزاق .. فذكرتهم ذلك ، فقالوا : صَدَقَت والله هذه الصغيرة .. يا أبانا ، انطلق حيث أحببت .

فقام من وقته ، وساعته ، وأحرم بالحج ، وخرج مسافرًا ، وأصبح أهل بيته يدخل عليهم جيرانهم يوبخونهم كيف أذنوا له بالحج ، وتأسف على فراقه أصحابه ، وجيرانه ، فجعل أولاده يلومون تلك الصغيرة ، ويقولون : لو سكت ما تكلمنا .. فرفعت الصغيرة طرفها إلى السماء ، وقالت : إلهي ، وسيدي ، ومولاي ، عودت القوم بفضلك ، وأنك لا تضيعهم ، فلا تخيبهم ، ولا تخجلني معهم .

فبينما هم على هذه الحالة إذ خرج أمير البلدة متصيدًا ، فانقطع عن عسكره ، وأصحابه ، فحصل له عطش شديد ، فاجتاز ببيت الرجل الصالح حاتم الأصم ، فاستسقى منهم ماء ، وقرع الباب ، فقالوا : من أنت ؟
قال : الأمير ببابكم يستسقيكم .
فرفعت زوجة حاتم رأسها إلى السماء ، وقالت : إلهي ، وسيدي ، سبحانك البارحة بتنا جياعًا واليوم يقف الأمير على بابنا يستسقينا .
ثم إنها أخذت كوزًا جديدًا ، وملأته ماء ، وقالت للمتناول منها : اعذرونا .
فأخذ الأمير الكوز ، وشرب منه ، فاستطاب الشرب من ذلك الماء ، فقال : هذه الدار لأمير ؟
فقالوا : لا والله ، بل لعبد من عباد الله الصالحين يعرف بحاتم الأصم .
فقال الأمير : لقد سمعت به .
فقال الوزير : يا سيدي ، لقد سمعت أنه البارحة أحرم بالحج ، وسافر ولم يخلف لعياله شيئًا ، وأخبرت أنهم البارحة باتوا جياعًا .. فقال الأمير : ونحن أيضًا قد ثقلنا عليهم اليوم ، وليس من المروءة أن يثقل مثلنا على مثلهم .
ثم حل الأمير منطقته من وسطه ، ورمى بها في الدار ، ثم قال لأصحابه : من أحبني فليلق منطقته ؛ فحل جميع أصحابه مناطقهم ، ورموا بها إليهم ، ثم انصرفوا .

فقال الوزير : السلام عليكم أهل البيت ، لآتينكم الساعة بثمن هذه المناطق .
فلما أنزل الأمير رجع إليهم الوزير ، ودفع إليهم ثمن المناطق مالًا جزيلًا ، واستردها منهم ، فلما رأت الصبية الصغيرة ذلك بكت بكاء شديدًا ، فقالوا لها : ما هذا البكاء ؟! إنما يجب أن تفرحي ؛ فإن الله قد وسع علينا .
فقالت : يا أم ، والله إنما بكائي كيف بتنا البارحة جياعًا ، فنظر إلينا مخلوق نظرة واحدة فأغنانا بعد فقرنا ، فالكريم الخالق إذا نظر إلينا لا يكلنا إلى أحد طرفة عين ، اللهم انظر إلى أبينا ، ودبره بأحسن التدبير .
هذا ما كان من أمرهم .

وأما ما كان من أمر حاتم أبيهم : فإنه لما خرج محرمًا ، ولحق بالقوم توجع أمير الركب ، فطلبوا له طبيبًا ، فلم يجدوا ، فقال : هل من عبد صالح ؟
فدُلَّ على حاتم ، فلما دخل عليه ، وكلمه ، دعا له ، فعُوفي الأمير من وقته ، فأمر له بما يركب ، وما يأكل ، وما يشرب ، فنام تلك الليلة مفكرًا في أمر عياله ، فقيل له في منامه : يا حاتم ، من أصلح معاملته معنا ؛ أصلحنا معاملتنا معه .

ثم أُخبر بما كان من أمر عياله ، فأكثر الثناء على الله تعالى .

فلما قضى حجه ، ورجع تلقته أولاده ، فعانق الصبية الصغيرة ، وبكى ، ثم قال : صغار قوم كبار قوم آخرين ، إن الله لا ينظر إلى أكبركم ، ولكن ينظر إلى أعرفكم به ، فعليكم بمعرفته ، والاتكال عليه ؛ فإنه من توكل على الله فهو حسبه }.

Exit mobile version