
الثقة بالله ﷻ :
سر القوة في الثقة بالله ﷻ ، وأن تكون مع الله ، وفعلك لله ، ولا تبتغي بما تصنع إلا وجه الله جل في علاه .
من أروع الجُمل التي تبعث الطمأنينة والثقة بالله عز وجل في نفس المؤمن ، قول المعلم ﷺ :
” ناصيتي بيدك ، ماضٍ فيَّ حكمك ، عدلٌ فيَّ قضاؤك “.
يا سلام ؛ أمان وسلام ، وطمأنينة ورضا واستسلام .
أمورنا مرتبة في السماء ، نظن بأننا نختار ، نظن بأننا نقرر ، لا ورب الكعبة ، هو الذي يقول للشيء : كن فيكون .
نحن لا نملك من أمورنا شيئًا واحدًا ، وإنما الأمر كله ؛ دقه وجله ، بيده وحده سبحانه وبحمده .
فاللهم لا تكلنا الي أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك ولا أصغر .
- الموجز :
قال الله جل جلاله لعباده :
” لا تقنطوا “.
وقال يعقوب عليه السلام لأولاده :
” لا تيأسوا “.
وقال يوسف عليه السلام لأخيه :
” لا تبتئس “.
وقال الرجل الصالح لموسى عليه السلام :
” لا تخف “.
وقال نبينا محمد ﷺ لأبي بكر رضي الله عنه :
” لا تحزن “.
فثقوا بالله ولا تحزنوا .
- التفاصيل :
يقول الرب الجليل في محكم التنزيل :
« قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ». (الزمر : 53)
أسْرَفوا : تجاوَزوا الحدّ في المعاصي .
لا تَقْنَطُوا : لا تيْأسوا .
الذنوب جَميعا : إلاّ الشّرك .
التفسير : قل – أيها الرسول – لعبادي الذين تمادَوا في المعاصي ، وأسرفوا على أنفسهم بإتيان ما تدعوهم إليه نفوسهم من الذنوب : لا تَيْئسوا من رحمة الله ؛ لكثرة ذنوبكم ، إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت ، إنه هو الغفور لذنوب التائبين من عباده ، الرحيم بهم .
هل وجدتم كرمًا أوسع من كرم الله الغفور الرحيم ؟!
يحث المسرفين على أنفسهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك ، وألا ييأسوا من رحمة الله عز وجل .
وقد يقولون : كثرت ذنوبنا وتراكمت عيوبنا ، فليس لها طريق يزيلها ولا سبيل يصرفها ، فيبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان ، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن ، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده ، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك ، والقتل ، والزنا ، والربا ، والظلم ، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار .
سبحانه .. سبحانه
{ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }.
يقول الإمام السعدي رحمه الله :
وصفه المغفرة والرحمة ، وصفان لازمان ذاتيان ، لا تنفك ذاته عنهما ، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود ، مالئة للموجود ، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار ، ويوالي النعم على العباد والفواضل في السر والجهار ، والعطاء أحب إليه من المنع ، والرحمة سبقت الغضب وغلبته .
ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد ، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة ، أعظمها وأجلها ، بل لا سبب لها غيره ، الإنابة إلى اللّه تعالى بالتوبة النصوح ، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد .
فهلم إلى هذا السبب الأجل ، والطريق الأعظم .
ندعوكم لقراءة : حسن الظن بالله
- ويقول الله تعالى على لسان يعقوب عليه السلام :
« يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ». (يوسف : 87)
طلب يعقوب عليه السلام من بنيه ألا يقنطوا من أن يروِّح الله عنهم ما هم فيه من الحزن على يوسف وأخيه بفرَجٍ من عنده ، فيرينيهما ؛ فلا يقنط من فرجه ورحمته ويقطع رجاءه منه ( إلا القوم الكافرون ) ؛ وهم القوم الذين يجحدون قُدرته على ما شاءَ تكوينه .
- يقول الله عز وجل حكاية عن يوسف وأخيه :
« وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ». (يوسف : 69)
لما دخل إخوة يوسف على يوسف عليه السلام { آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } ؛ وهو شقيقه ” بنيامين ” الذي أمرهم بالإتيان به ، ضمه إليه ، وأخبره بحقيقة الحال ، و { قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ } ؛ أي : لا تحزن { بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فإن العاقبة خير لنا بإذن الله تعالى .
- يقول الله تبارك وتعالى حكاية عن موسى والرجل الصالح :
« فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ». (القصص : 25)
لما وصل موسى عليه السلام إلى الرجل الصالح وذكر له ما كان من أمره ، وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده فقال له : لا تخف ، وطِب نفسًا ، وقرّ عينًا ؛ فقد خرجت من مملكتهم فلا حكم لهم في بلادنا ولهذا قال ” نجوت من القوم الظالمين “.
- ويقول الرب العلي ، عن نصرته للحبيب النبي :
« إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ». (التوبة : 40)
يقول رسول الله ﷺ لصاحبه أبي بكر رضي الله عنه : ” لا تحزن ” ؛ وذلك أنه خافَ من الطَّلَب أن يعلموا بمكانهما ، فجزع من ذلك ؛ فقال له رسول الله ﷺ : ” لا تحزن ” ؛ لأن الله معنا والله ناصرنا ؛ وكفى بالله نصيرًا .